الشيخ محمد تقي فلسفي ( مترجم : الميلاني )
37
الطفل بين الوراثة والتربية
لقد عظم أمر المسلمين في المدينة ، وبلغ المؤمنون غاية عزهم ومجدهم . . . كانت الفتوحات المتتالية تعود لصالحهم يوماً بعد يوم . أما غير المؤمنين فقد كان ينظر إليهم بنظر الاحتقار في المجتمع ، وهذا ما أدى إلى إضعاف روحياتهم ، فأخذوا يحسون بالحقارة والضعفة من جهة ، ومن جهة أخرى كانوا يمتنعون عن الإيمان . فاضطروا إلى أن يظهروا خلاف ما يبطنون ، ويتظاهروا بالإيمان حتى يجبروا حقارتهم بذلك . وجاء القرآن الكريم كاشفاً عن سرائرهم وفاضحاً نواياهم حيث قال : « إذا جاءك المنافقون قالوا : نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله ، والله يشهد أن المنافقين لكاذبون . اتخذوا أيمانهم جُنّة » ( 1 ) . الكذب عبارة عن ردّ فعل لعقدة الحقارة أو الخوف أو الحالات النفسية الاخر . وبعبارة أخرى فان هذه العقد النفسية والانهيارات الداخلية للناس هي التي تظهر بمظهر الكذب في الصور المختلفة . كلما كانت عقدة الحقارة في حياة الفرد أو الأسرة أو الأمة أشد كان رواج الكذب فيهم أكثر . إن من يصاب بالفشل في القضايا السياسية أو الاقتصادية وتنحط منزلته في أنظار الناس يكون الدافع إليه نحو الكذب أقوى ، والأسرة التي تسوء سمعتها لانحراف خلقي أو لسبب آخر فتصبح مبغوضة في نظر المجتمع ويحس أفرادها بالحقارة والضعة في نفوسهم تلجأ إلى الكذب لتدارك النقائص التي أصابتها . وفي الدول التي تنعدم فيها العدالة والحرية ويديرها الحكام بنظام استبدادي مطلق ، ويتملك الناس فيها خوف ورعب شديدان تروج سوق الكذب ، وكذلك الأمم التي خضعت لسنين طوال إلى الظلم والاضطهاد ولم تذق طعم الاستقلال يكون تلوثها بالكذب أكثر . . . وبصورة موجزة فان الكذابين لا يكذبون الا للحقارة التي يحسون بها ، كما صرح بذلك الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله حين قال : « لا يكذب الكاذب إلا من مهانة نفسه » .
--> ( 1 ) سورة المنافقين ، الآيتان : 1 - 2 .